عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

226

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الروحانية التي يعبر عنها بالجنان ، فلا خلاص له من جهنم أبدا وإنما يخرج من جهنم عرق شجرة الإنسانية جزء من بذر الروح ولو بعد حين ، أن يكون فيه مثقال ذرة من النور المرشش في عالم الأرواح لقصده وميله إلى عالمه وقابليته لجذبات الحق تعالى . [ انقسام أجزاء بذر الروح المتفرقة في شجرة الإنسانية ] ثم اعلم أن أجزاء بذر الروح المتفرقة في شجرة الإنسانية على ثلاثة أقسام : كما قال تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 ) [ الواقعة : 7 ] قسم منها ما قدر اللّه تعالى أن يصير جزءا من أجزاء الشجرة ثابتا فيها ، فهم أصحاب المشأمة وأهل النار المخلدون فيها كما قال تعالى « 1 » : « هؤلاء في النار ولا أبالي » « 2 » . وقسم منها ما قدر اللّه تعالى أن يكون سائرا في الشجرة بتوفيق اللّه إلى أن يخرج من أغصان الشجرة بالزهرية ولا يبلغ إلى رتبة الثمارية ، وهو مقام المؤمنين إذا خرجوا من ظلمة نفس الشجرة إلى نور فضاء الروحانية ، وهم أصحاب الميمنة الذين وردوا جهنم الشجرة ونجوا منها بترك الشرك ، وبنور الإيمان دخلوا جنات الأزهار . كما قال تعالى « 3 » : « هؤلاء في الجنة ولا أبالي » « 4 » وهم طائفتان : طائفة يخرجون من ههنا بالسير وتزكية النفس والمجاهدات ، وهم الذين إذا وردوا النار يوم القيامة تقول النار لأحدهم : « جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي » « 5 » . وذلك لأنهم لما وردوا اليوم جهنم بالنفس الشهوانية وتلهبت نار شهواتهم فقد أطفأوها بشعلة أنوار إيمانهم ونهوا أنفسهم عن الهوى . وطائفة يخرجون منها يوم القيامة بعد تزكية نفوسهم بورود النار والثبات فيها ، وذلك لأنهم كانوا ههنا بمعزل عن تزكية النفس فخابوا وخسروا . كما قال تعالى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ( 9 ) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها ( 10 ) وكان أمرهم ههنا مبنيا على خلط الأعمال الصالحة بالسيئة ، وذلك لأن النور المرشش وإن كان قد أصاب أرواحهم شيئا ما ولكن باستيلاء ظلمات صفات النفس واستعلائها وخذلان الحق ، صار ملبوسا مغلوبا بظلم سيئات الأعمال في بعض الأوقات ، خلطوا عملا صالحا

--> ( 1 ) في الحديث القدسي . ( 2 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن قوله صلّى اللّه عليه وسلم فكل ميسر . . . ، حديث رقم ( 338 ) . ورواه أحمد في المسند ، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، حديث رقم ( 17696 ) [ ج 4 ص 186 ] . نسخة مؤسسة قرطبة - القاهرة . ( 3 ) أي في الحديث القدسي ( 4 ) رواه ابن حبان في صحيحه ، ذكر البيان بأن قوله صلّى اللّه عليه وسلم فكل ميسر . . . ، حديث رقم ( 338 ) . ورواه أحمد في المسند ، عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي ، حديث رقم ( 17696 ) [ ج 4 ص 186 ] . نسخة مؤسسة قرطبة - القاهرة . ( 5 ) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن يعلى ، حديث رقم ( 668 ) [ ج 22 ص 258 ] .